محمد جمال الدين القاسمي

496

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وهو الوعد بالسلطان النصير والإسلام ودولته وَزَهَقَ الْباطِلُ أي ذهب وهلك . وهو الشرك وجولته إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت . تنبيه : سياق هذه الآيات مع سباقها أعني قوله تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ يدل على أن نزولها في أوقات الاهتمام للهجرة إلى المدينة ، ومبارحة مكة ، وأنه تعالى أمر نبيّه بأن يبتهل إليه في تيسير إدخاله لمهاجره على ما يرضيه ، وإخراجه من بلده كذلك . وأن يجعل له حماية من لدنه ، تعز جانبه وتعصمه ممن يرومه بسوء . وأسلوب التنزيل العزيز في مثل هذا الدعاء ، هو إرادة الخبر بحصول المدعوّ ، ومشيئة اللّه بوقوعه عن قرب . ولذلك عقبه بقوله : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إعلاما بأن الأمر تم ، والفرج جاء ، ودحر الباطل ورجع إلى أصله ، وهو العدم . روى الحافظ أبو يعلى عن جابر رضي اللّه عنه قال : دخلنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة . وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما ، تعبد من دون اللّه . فأمر بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأكبّت على وجوهها . وقال : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ورواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود ، بنحوه . قال في ( الإكليل ) فيه استحباب تلاوة هذه الآية عند إزالة المنكر . ثم بيّن تعالى خسار المشركين ، بإعراضهم عما يشفي أمراضهم المعنوية ، وهو القرآن الكريم ، ونجاح المؤمنين بالاستشفاء بهداه ورحمته ، بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 82 ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 ) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً أي وننزل عليك من القرآن ما يستشفى به من الجهل والضلالة . ورحمة ببيان الحقائق وإقامة البراهين للمؤمنين به ، دون الكافرين . لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض اللّه وشرائعه . فيدخلهم الجنة وينجيهم من العذاب . فهو لهم رحمة ونعمة . ولا يزيد الظالمين ، بكفرهم وشركهم ، إلا خسارا . أي إهلاكا . لأنهم كلما جاءهم أمر من اللّه أو نهي ، كفروا به ، فزادهم خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ، ورجسا إلى رجسهم . قال الشهاب : ( الشفاء ) استعارة تصريحية أو تخييلية . بتشبيه الكفر بالمرض . و ( من ) بيانية . قدمت على المبيّن وهو ( ما ) اعتناء .